النعاس القاتل خلف المقود: خبراء يطالبون بقوانين وأجهزة ترصد يقظة السائقين قبل فوات الأوان
في ظل ساعات العمل الطويلة التي يعيشها سائقو الشاحنات وحراس الأمن والعاملون في القطاع الصحي، بات الإرهاق خصماً خفياً يهدد حياتهم وحياة من حولهم على الطرقات. هذه المهن الأساسية، رغم أهميتها، كثيراً ما تضع أصحابها في مواجهة مباشرة مع القيادة تحت تأثير التعب والنعاس.
أطباء متخصصون حذروا من أن القيادة في حالة الإرهاق لا تقل خطورة عن القيادة تحت تأثير الكحول، حيث يعادل السهر لفترة بين 18 إلى 24 ساعة تركيز الكحول في الدم بنسبة تتراوح بين 0.05% و0.1%، وهي نسب غير قانونية في عدد من الدول.
هذا التدهور في القدرات العقلية، بحسب المختصين، يقلل من الانتباه ويؤخر اتخاذ القرار، ما يضاعف احتمالات الحوادث المميتة.
وأوضح الخبراء أن الدماغ عند نقص النوم يمر بما يشبه “الغفوات المصغرة”، تفقد خلالها بعض مناطقه القدرة على الاستجابة، ما يجعل السائقين يتخذون قرارات خاطئة أو يتأخرون في رد الفعل دون أن يلاحظوا ذلك.
علامات التحذير من هذه الحالة تشمل التثاؤب المتكرر، وصعوبة في إبقاء العينين مفتوحتين، ونظرات شاردة، و نسيان أجزاء من الطريق، أو حتى انحراف مفاجئ عن المسار.
من جانبه، أكد الدكتور محمد المعتز، اختصاصي المخ والأعصاب، أن قلة النوم تُضعف مناطق التركيز واتخاذ القرار في الدماغ، وتشبه في أثرها تناول الكحول، وتُنتج بطئًا ملحوظًا في رد الفعل.
وأشار إلى أن مشروبات الطاقة لا تعالج المشكلة، بل قد توهم السائق بيقظة مؤقتة، بينما يبقى الدماغ في حالة من الخمول الداخلي الخطير.
أما الدكتور نشأت هنداوي، رئيس قسم الطوارئ، فقد أشار إلى أن أقسام الطوارئ تستقبل بانتظام حالات ناتجة عن نوم السائقين أثناء القيادة، وغالبًا ما تقع هذه الحوادث في ساعات الليل أو الصباح الباكر. الإصابات تكون عادة جسيمة، مثل كسور العمود الفقري أو النزيف الداخلي، لأن السائق لا يستخدم المكابح أو يتفاعل مع الخطر، ما يؤدي إلى اصطدامات عنيفة وجهاً لوجه.
وشدد على ضرورة وضع تشريعات واضحة تجعل القيادة تحت تأثير الإرهاق جريمة، كما هي الحال مع القيادة تحت تأثير الكحول، خاصة للعاملين في وظائف تعتمد على التنقل، داعياً إلى إدخال تقنيات حديثة لرصد “اليقظة” لدى السائقين، لحماية الأرواح.
وعن الجانب النفسي، لفت الدكتور عصام سماحة، اختصاصي الطب النفسي، إلى أن كثيراً من السائقين يقللون من شأن التعب، معتقدين أنهم قادرون على القيادة رغم الإرهاق. وأرجع ذلك إلى ما يُعرف بـ “الانحياز الإدراكي”، حيث يظن الإنسان أنه يتحكم في الأمور لأنه اعتاد القيادة، بينما هو في الحقيقة أكثر عرضة للخطأ.
وأضاف أن التوتر والضغط النفسي قد يدفعان البعض إلى القيادة للهروب من الواقع، رغم عدم أهليتهم البدنية أو الذهنية لذلك، ما يعرضهم وحياة الآخرين للخطر، مؤكدًا أن السهر المزمن يسبب “نومًا جزئيًا للدماغ”، حيث تغلق بعض مناطقه دون وعي الشخص، وهو ما يجعل القيادة شديدة الخطورة في تلك الحالة.
ودعا إلى إدماج التوعية في المؤسسات التعليمية والمهنية، وإعداد برامج معرفية سلوكية تساعد الأفراد على تقييم حالتهم قبل القيادة، مع إمكانية استخدام تطبيقات ذكية تُنبه السائق عند بلوغ حد خطير من التعب.
تقنية “كاشف النعاس”:
ضمن الجهود التقنية للحد من الحوادث، ظهرت أجهزة “كاشف النعاس”، وهي أنظمة ذكية مدمجة ضمن تقنيات مساعدة السائق، تعمل على مراقبة سلوكه وتنبيهه في حال ظهور علامات النعاس.
هذه الأنظمة تسهم في تقليل الأخطاء البشرية التي قد تودي بحياة الأبرياء، وتشمل ميزات مثل تنبيه بوجود أجسام في النقطة العمياء، أو تفعيل الفرامل تلقائياً عند الخطر.