اخبار الامارات

التوازن: أسلوب تربوي أسري يواكب المتغيرات ويحافظ على القيم

يُعاد توجيه الاهتمام إلى الأسرة بوصفها النواة الأولى في بناء الإنسان واستقرار المجتمع، مع إعلان القيادة الرشيدة عام 2026 عاماً للأسرة، وتستعرض هذه الصحيفة في هذا التحقيق قضية التربية بين الاحتواء والسيطرة، مع آراء مختصين وتجارب أسر وأصوات أطفال، للبحث عن نموذج تربوي متوازن يواكب المتغيرات ويحفظ القيم ويصنع جيلاً قادراً على مواجهة المستقبل بثقة واستقرار نفسي.

يؤكد عدد من الخبراء أن التربية قضية وطنية وإنسانية تتقاطع فيها الأبعاد الاجتماعية والثقافية، وتؤثر في الهوية الوطنية، مشيرين إلى أن تربية الأبناء لم تعد تقليدية وتُدار بالأدوات نفسها التي اعتمدت في أجيال سابقة، ويدعون إلى الحوار والاحتواء والتوازن كحجر أساس لبناء الشخصية.

التوازن

يقول الدكتور جاسم العلي، أستاذ مساعد في كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، إن الجدل بين السيطرة والاحتواء ينبغي ألا يتحول إلى صراع، بل إلى بحث عن التوازن الذي يواكب مراحل نمو الأبناء ويؤدي إلى تنمية مسؤوليتهم وثقتهم بقدراتهم في اتخاذ القرار مع وجود رقابة مناسبة.

ويرى أن الإسلام قدّم نموذجاً تربوياً متوازناً يقوم على الرحمة والحزم المعتدل، مستشهداً بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أبنائه وأحفاده، حيث جرى الترب ي على المحبة قبل التوجيه والثقة قبل الأوامر.

ويضيف أن منح الأبناء مساحة من الحرية ضمن ضوابط عمرية يسهم في تعزيز شعورهم بالمسؤولية وعدم غياب الرقابة، ما يعزز قدرتهم على اتخاذ قرارات سليمة.

التزام

من جانبها، توضح الدكتورة فاطمة الجاسم، مستشارة أسرية في دبي، أن الاحتواء مفهوم يساء فهمه كثيراً، فهو لا يعني غياب الحزم بل فهم المشاعر مع الالتزام بالقواعد.

وتذكر مثالاً لطفل كان يرفض أداء واجباته المدرسية فوجهت الأسرة إلى اعتماد أسلوب متوازن بين السيطرة القائمة على التوبيخ والعقاب، والاحتواء القائم على الفهم والحوار، من أجل حفظ الانضباط دون كسر نفسية الطفل.

وتوضح أن هناك ثلاثاً سلبيات رئيسية لأسلوب السيطرة البعيد عن الحوار والاحتواء هي ضعف الثقة بالنفس، الخوف من التعبير عن الرأي، والانفجار السلوكي أو التمرد.

الاحتواء والحزم

وتؤكد على أهمية الاحتواء العاطفي للأبناء والحوار بدلاً من الأوامر والعقاب، مع الاعتراف بأن الطفل اليوم أكثر وعياً وتأثراً، وأن الاحتواء لا يعني غياب الحزم بل يعني بناء علاقة قائمة على الثقة تجعل الطفل أكثر استعداداً للالتزام بالقواعد وبناء شخصية قادرة على اتخاذ القرار.

وتوضح أن التحدي الحقيقي ليس الاختيار بين الاحتواء أو السيطرة، بل معرفة متى نحتوي ومتى نحزم، وكيف نربي أبناءنا ليكونوا أقوى نفسياً، وأكثر وعيًا، وقادرين على مواجهة الحياة بثقة واتزان.

أسلوب الحوار

وفي الوقت نفسه ترى بعض الأسر أن الاحتواء قد يؤدي إلى دللال مفرط إذا فُرض بلا ضوابط، فتقول سمر عبدالله إنها حاولت اتباع أسلوب الحوار لكنها وجدت أن الأطفال يرفضون الأوامر ويجادلون في كل شيء.

وتلتقط بدرية إبراهيم أطراف الحديث قائلةً إن المشكلة ليست في الاحتواء بل في سوء فهمه، إذ يتم الخلط بين الاحتواء والدلال الذي لا يعترف بالحدود أو القواعد.

وأضافت أن كثيراً من الأسر تعيش حالة من التردد التربوي، حيث يستخدم الحوار أحياناً، وتلجأ إلى السيطرة أحياناً أخرى.

مؤثرات خارجية

وقالت سها السعيد إن كثرة المؤثرات الخارجية، لاسيما مواقع التواصل الاجتماعي، تدفعنا أحياناً إلى الحزم الشديد، مؤكدة بأن التكنولوجيا أصبحت اللاعب الأبرز في معادلة التربية، فالأجهزة الذكية ووسائل التواصل أصبحت شريكاً دائماً في تشكيل وعي الأبناء.

ويؤكد ناصر أكرم أننا كنا نخاف من العقاب أكثر مما نفهم الخطأ، ومع ذلك كبرنا وأصبحنا مسؤولين، ويرى فيصل الكعبي أن أسلوب السيطرة لم يعد مناسباً لأبناء اليوم في ظل الانفتاح الرقمي وتعدد مصادر المعرفة وسهولة الوصول إلى المعلومة.

تنظيم واعٍ

وترى المعلمة أفنان سيد أن المنع التام غالباً يفشل، بينما التنظيم الواعي والرقابة القائمة على الثقة يؤديان نتائج أفضل من خلال تحديد أوقات الاستخدام ومتابعة المحتوى وتوفير بدائل إيجابية مثل الرياضة والأنشطة الاجتماعية.

وتحذر من استخدام أسلوب السيطرة دون توازن لأنه قد يتحول إلى منع الطفل من التعبير وتقليل مشاعره، ما ينتج شخصية مهزوزة.

وتشير إلى أنه رغم أهمية الاحتواء، إلا أن سوء تطبيقه قد يؤدي إلى نتائج عكسية خصوصاً عند غياب الحدود أو اختلاف الأسلوب بين الوالدين، مؤكدة على أهمية التربية المتوازنة.

حقيقة مهمة

يؤكد الأطفال أن الشعور بالاحترام والاستماع إلى آرائهم يزيد من سعادتهم وثقتهم بأنفسهم، وتبيِّن أصواتهم أن الطفل لا يرفض القواعد بل يرفض فرضها دون فهم أو احترام.

google.com, pub-7984506988189976, DIRECT, f08c47fec0942fa0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى