د. سمر أبو الخير تكتب: تأخر النطق بين الإرث الجيني وبناء البيئة

العوامل الوراثية والبيئية في تأخر النطق

تواجه الأسر قلقًا مستمرًا مع كل مرحلة عمرية يمر بها الطفل دون أن تنضج قدراته اللغوية بالوتيرة المتوقعة.

تشير الدراسات الوراثية إلى وجود مكونات جينية مرتبطة باضطرابات اللغة والتواصل، وتبيّن الدراسات الوبائية أن احتمال التأخر أكبر لدى الأطفال من أسر لديها تاريخ عائلي لهذه الصعوبات، مع تحديد جينات مرتبطة بنمو مناطق الدماغ المسؤولة عن المعالجة اللغوية مثل بروكا وفيرنيك.

إلا أن الوراثة ليست العامل الوحيد ولا الحاسم، فالتفاعل بين الجينات والبيئة هو الذي يكوّن النتيجة النهائية، فالجينات تضع حدودًا للإمكانات، بينما البيئة هي التي تعبئ هذه الإمكانات وتطوّرها لدى الطفل.

وتعمل البيئة كالتربة والمناخ والماء التي تساعد على نمو البذرة اللغوية، فاللغة مهارة مكتسبة تحتاج إلى مدخلات غنية وتفاعل ثنائي بين المخ والبيئة المحيطة.

وتلعب البيئة المنزلية دورًا محوريًا، خصوصًا أنماط التواصل بين الوالدين والطفل، فـ«اللغة الموجهة للطفل» تكون بطيئة، عالية النبرة، غنية بالتكرار والتعبيرات الوجهية، وهي عوامل ثبت علميًا أنها تزيد من الانتباه وتسهّل تعلم الكلمات والتراكيب.

تأثير الأنشطة التمهيدية على اللغة

كما أن قراءة القصص للطفل، والغناء، والتحدث عنه ما يفعله ويشاهده خلال الروتين اليومي، كلها ممارسات تعزز حصيلته اللغوية وتدعم نمو النطق.

وفي المقابل تسهم بعض العوامل البيئية في التأخر مثل التعرض المفرط للشاشات حيث تحل التفاعلات الحوارية محل الحوار الثنائي الضروري لتعلم اللغة، ونقص التحفيز اللغوي في البيئات الصامتة أو التي لا يتحدث فيها البالغون مع الطفل بشكل كافٍ، إضافة إلى الضغوط النفسية والتوتر العائلي التي تؤثر في جاهزية الطفل للتواصل وتؤدي إلى ما يشبه الحرمان الحسي أو الاجتماعي.

ماذا نفعل عند ملاحظة تأخر النطق؟

لا بد من التدخل المبكر من فريق متخصص يتكون من أخصائي النطق واللغة لتقييم المهارات الاستقبالية (الفهم) والتعبيرية (النطق)، وتقدير مدى طلاقة اللغة.

ويُستبعد وجود مشاكل سمعية من خلال أخصائي السمع، فهذه من بين الأسباب العضوية الأكثر شيوعًا لتأخر النطق، كما يتم استبعاد أسباب طبية أخرى عبر استشارة طبيب الأطفال وطبيب المخ والأعصاب.

ثم تُوضع خطة علاجية تركز على تطوير النطق واللغة، مع تحسين مهارات الفهم والتعبير، وتطبيق استراتيجيات مثل النمذجة والتوسيع لتطوير جملة الطفل بشكل أكثر اكتمالاً.

ويؤكد النجاح في العلاج أن المنزل يصبح شريكًا فعالًا في الرحلة، حيث تتحول كل لحظة تواصل إلى فرصة لتعزيز النطق وتطوير اللغة بيدٍ واعية ومساندة مستمرة.

Exit mobile version